أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

162

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

ولذلك قال : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ « 1 » أي ينسب من يشاء من عباده إلى ذلك . ومن هذا قال تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً « 2 » ، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ « 3 » ، فهذه ، واللّه ، التزكية . وقوله : وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً « 4 » ، أي بركة وتطهيرا . وقوله : غُلاماً زَكِيًّا « 5 » أي مباركا مطهرا منسوبا من لدنّ اللّه تعالى إلى ذلك . وأصل الزكيّ : زكيو ، فأعلّ بقلب الواو ياء ، وقيل : معناه زكّي بالخلقة ، وذلك عن طريق الاصطفاء بأن يجعل بعض عباده عالما طاهر الخلق لا يتعلّم من غيره ، وهذا دأب الأنبياء ، وبه استدلّ بعض المتصوفة على أنّ الفقير المجذوب أفضل من المربّى ، وقيل : معناه سيؤول إلى التزكية ، وفيه بشارة . قوله : وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ « 6 » يجوز أن يريد شقيقة الصلاة ، أثنى عليهم بإخراجها كما أثنى عليهم بإقامة شقيقتها . ويجوز أن يريد الفاعلين ما يزكّون به أنفسهم قال الراغب « 7 » : وليس قوله للزكاة مفعولا لقوله فاعلون ، بل اللام فيه للقصد وللعلّة . وتزكية الإنسان لنفسه ضربان : أحدهما بالقصد « 8 » ، وذلك محمود ، وإليه نحا بقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها « 9 » والثاني بالقول كتزكية العدل غيره ؛ وقد تقدّم أنه مذموم ، وهو تأديب لأنّ مدح الإنسان نفسه قبيح شرعا وعقلا حتّى قال الشاعر : وما حسن أن يمدح المرء نفسه * ولكنّ أخلاقا تذمّ وتمدح وقيل لحكيم : ما الذي لا يحسن وإنه كان حقا ؟ فقال : مدح الإنسان نفسه . وقوله : نَفْساً زَكِيَّةً « 10 » وزاكية : أي طاهرة بريئة مما لا يوجب قتلها . قوله : ما زَكى

--> ( 1 ) 49 / النساء : 4 . ( 2 ) 143 / البقرة : 2 . ( 3 ) 110 / آل عمران : 3 . ( 4 ) 13 / مريم : 19 . ( 5 ) 19 / مريم : 19 . ( 6 ) 4 / المؤمنون : 23 . ( 7 ) المفردات : 214 . ( 8 ) وفي المفردات : بالفعل ، وهو أصوب . ( 9 ) 9 / الشمس : 91 . ( 10 ) 74 / الكهف : 18 .